أبي منصور الماتريدي
510
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
السفر لتعلم العلم والتفقه في الدين عن الكل إذا قام بعض بذلك يخرجون ويتعلمون ثم يعلمون قومهم « 1 » ؛ لأنه قال : فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ . . . الآية . وفيه أيضا دلالة سقوط فرض الجهاد عن الجماعة إذا قام بعضهم عن بعض . وفيه دلالة لزوم العمل بخبر الآحاد « 2 » وإن احتمل الغلط ؛ لأن ما ذكر من الطائفة
--> ( 1 ) قال السيوطي في ( الإكليل ) : في الآية أن الجهاد فرض كفاية ، وأن التفقه في الدين ، ونشر العلم ، وتعليم الجاهلين كذلك . وفيها الرحلة في طلب العلم . وقال القاضي : ( لا تدل الآية على وجوب العمل بخبر الواحد ؛ لأن الطائفة قد تكون جماعة يقع بخبرها الحجة ، ولأن قوله : وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ يصح وإن لم يجب القبول ، كما أن الشاهد الواحد يلزمه الشهادة ، وإن لم يلزم القبول ، ولأن الإنذار يتضمن التخويف ، وهذا العذر لا يقتضي وجوب العمل به . والجواب : أنا بينا أن كل ثلاثة فرقة ، وقد أوجب الله أن يخرج من كل فرقة طائفة ، فلزم كون الطائفة إما اثنين أو واحدا ، فبطل كون الطائفة جماعة يحصل العلم بخبرهم ، فإن قيل : إنه تعالى أوجب العمل بقول أولئك الطوائف ، فلعلهم بلغوا في الكثرة إلى حيث يحصل العلم بخبرهم . فالجواب : أنه تعالى أوجب على كل طائفة أن يرجعوا إلى قومهم ، فاقتضى رجوع كل طائفة إلى قوم خاص ، ثم إنه تعالى أوجب العمل بقول تلك الطائفة ، وهو المطلوب . وأما قوله : وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ يصح وإن لم يجب القبول ، فالجواب : أنا لا نتمسك في وجوب العمل بخبر الواحد بقوله : وَلِيُنْذِرُوا بل بقوله : لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ فإنه ترغيب منه تعالى في الحذر ، بناء على أن ذلك الإنذار يقتضي إيجاب العمل على وفق ذلك الإنذار . الفقه : معرفة أحكام الدين ، وهو ينقسم إلى فرض عين ، وفرض كفاية ، ففرض العين مثل : علم الطهارة والصلاة والصوم ، فعلى كل مكلف معرفته ، قال عليه الصلاة والسلام : « طلب العلم فريضة على كل مسلم » وكذلك كل عبادة أوجبها الشرع على كل واحد يجب عليه معرفة علمها مثل : علم الزكاة إن كان له مال ، وعلم الحج إن وجب عليه . وأما فرض الكفاية ، فهو أن يتعلم حتى يبلغ رتبة الاجتهاد ، فإذا قعد أهل بلد عن تعلمه عصوا جميعا ، وإذا قام من كل بلد واحد بتعلمه سقط الفرض عن الآخرين ، وعليهم تقليده فيما يقع لهم من الحوادث ، قال عليه الصلاة والسلام : « فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم » . ينظر : تفسير القاسمي ( 8 / 359 ) ، واللباب ( 10 / 241 - 242 ) . ( 2 ) قال الجصاص في ( الأحكام ) : في الآية دلالة على لزوم خبر الواحد في الديانات التي لا تلزم العامة ، ولا تعم الحاجة إليها ؛ وذلك لأن الطائفة لما كانت مأمورة بالإنذار انتظم فحوى الدلالة عليه من وجهين : أحدهما : أن الإنذار يقتضي فعل المأمور به ، وإلا لم يكن إنذارا . والثاني : أمره إيانا بالحذر عند إنذار الطائفة ؛ لأن معنى قوله : لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ليحذروا ، وذلك يتضمن لزوم العمل بخبر الواحد ؛ لأن الطائفة تقع على الواحد ، فدلالتها ظاهرة . انتهى . وفي القاموس : أن الطائفة من الشيء القطعة منه ، أو الواحدة ، فصاعدا ، أو إلى الألف ، أو أقلها رجلان ، أو رجل ، فيكون بمعنى ( النفس الطائفة ) . قال الراغب : إذا أريد بالطائفة الجمع ، فجمع ( طائف ) ، وإذا أريد به الواحد ، فيصح أن يكون جمعا ، وكنى به عن الواحد ، وأن يجعل ك ( راوية ) و ( علامة ) ونحو ذلك . الثاني : إن قيل : كان الظاهر في الآية لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ فلم وضع موضع ( التعليم ) الإنذار ، وموضع ( يفقهون ) يحذرون ؟ يجاب بأن ذلك آذن -